محمد بن جرير الطبري

8

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثني محمد بن عمرو ، قال . ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً قال : لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يقول تعالى ذكره : وإذا أفرد الله جل ثناؤه بالذكر ، فدعي وحده ، وقيل لا إله إلا الله ، اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات . وعنى بقوله : اشْمَأَزَّتْ : نفرت من توحيد الله . وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يقول : وإذا ذكر الآلهة التي يدعونها من دون الله مع الله ، فقيل : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتها لترتجى ، إذ الذين لا يؤمنون بالآخرة يستبشرون بذلك ويفرحون ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ : أي نفرت قلوبهم واستكبرت وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ الآلهة إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : اشْمَأَزَّتْ قال : انقبضت ، قال : وذلك يوم قرأ عليهم " النجم " عند باب الكعبة . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : اشْمَأَزَّتْ قال : نفرت وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أوثانهم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد ، الله خالق السماوات والأرض عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الذي لا تراه الأبصار ، ولا تحسه العيون والشهادة الذي تشهده أبصار خلقه ، وتراه أعينهم أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فتفصل بينهم بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء بينهم فِي ما كانُوا فِيهِ في الدنيا يَخْتَلِفُونَ من القول فيك ، وفي عظمتك وسلطانك ، وغير ذلك من اختلافهم بينهم ، فتقضي يومئذ بيننا وبين هؤلاء المشركين الذين إذا ذكرت وحدك اشمأزت قلوبهم ، إذا ذكر من دونك استبشروا بالحق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فاطر : قال خالق . وفي قوله عالِمَ الْغَيْبِ قال : ما غاب عن العباد فهو يعلمه ، وَالشَّهادَةِ : ما عرف العباد وشهدوا ، فهو يعلمه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ يقول تعالى ذكره : ولو أن لهؤلاء المشركين بالله يوم القيامة ، وهم الذين ظلموا أنفسهم ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً في الدنيا من أموالها وزينتها وَمِثْلَهُ مَعَهُ مضاعفا ، فقبل ذلك منهم عوضا من أنفسهم ، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضا منها ، لينجو من سوء عذاب الله ، الذي هو معذبهم به يومئذ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ يقول : وظهر لهم يومئذ من أمر الله وعذابه ، الذي كان أعده لهم ، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول تعالى ذكره : وظهر لهؤلاء المشركين يوم القيامة سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا من الأعمال في الدنيا ، إذ أعطوا كتبهم بشمائلهم وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ووجب عليهم حينئذ ، فلزمهم عذاب الله الذي كان نبي الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا يعدهم على كفرهم بربهم ، فكانوا به يسخرون ، إنكارا أن يصيبهم